نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
174
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
كهمس بن الحسن أنه قال : أذنبت ذنبا وأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة ، قيل له ما هو يا عبد اللّه ؟ قال زارني أخ لي فاشتريت له سمكا فأكل ، ثم قمت إلى حائط جاري فأخذت منه قطعة طين فغسلت بها يدي . وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « أعظم الذنوب عند اللّه تعالى أصغرها عند الناس ، وأصغر الذنوب عند اللّه تعالى أعظمها عند الناس » . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه تعالى : يعني أعظمها عند المذنب إذا عظمه وخافه فإنها أصغر عند اللّه تعالى ، وأما إذا كان صغيرا في عين المذنب فهو عظيم عند اللّه تعالى لأن أعظم الذنوب ما كان مصرا عليه ، وهذا كما روي عن بعض الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم أنه قال : لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار . وروي عن عوام بن حوشب أنه قال : أربع بعد الذنب شر من الذنب : الاستصغار والاغترار والاستبشار والإصرار . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه تعالى : لا تغرنك هذه الآية مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ لأنه قد اشترط في الحسنة المجيء بها يوم القيامة والعمل سهل على العامل ولكن المجيء يوم القيامة شديد ، وإن السيئة واحدة ولكن لها عشر من العيوب : أوّلها أن العبد إذا عمل سيئة فقد أسخط خالقه على نفسه وهو قادر عليه في كل وقت ، والثاني أنه فرح من هو أبغض إليه وهو إبليس عدو اللّه وعدوه ، والثالث تباعده من أحسن المواضع وهو الجنة ، والرابع تقربه إلى شر المواضع وهو جهنم ، والخامس أنه جفا من هو أحب إليه وهي نفسه ، والسادس نجس نفسه وقد خلقها اللّه تعالى طاهرة ، والسابع آذى أصحابه الذين لا يؤذونه وهم الحفظة ، والثامن أحزن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في قبره ، والتاسع أشهد على نفسه الليل والنهار وآذاهم بذلك وأحزنهم ، والعاشر أنه خان جميع الخلائق من الآدميين وغيرهم ، فأما خيانة الآدميين فإنه لو كان لأحد عنده شهادة فإنه لا تقبل شهادته لأجل ذنبه فيبطل حق صاحبه لأجل ذنبه ، وأما الخيانة لجميع الخلائق فإنه يقل المطر إذا أذنب فكان في ذلك خيانة لجميع الخلائق ، فإياك والذنب فإن في الذنب هذه العيوب ، وفي ذلك كله ظلم نفسه بمعصيته . وقيل : أبخل الناس من بخل على نفسه بما فيه سعادة ، وأظلم الناس من ظلم نفسه بمعصية اللّه تعالى ، لأن من عمل المعصية فقد أهلك نفسه . ( وقال بعض لحكماء ) : إياك والذنب فإن الذنب مشؤوم فيصير شؤمه حجر المنجنيق فيضرب على حائط الطاعة فيكسر الحائط ويدخل ريح الهواء ويطفئ سراج المعرفة . وقيل لبعض الحكماء : ما لنا نسمع العلم ولا ننتفع به ؟ فقال لهم لخمس خصال : أوّلها قد أنعم اللّه عليكم فلم تشكروه ، والثاني إذا أذنبتم فلم تستغفروه ، والثالث لم تعملوا بما علمتم من العلم ، والرابع صحبتم الأخيار ولم تقتدوا بهم ، والخامس دفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه تعالى : سمعت أبي يقول : روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « ما من يوم